محمد بن أحمد الفاسي
51
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وفي شوال منها : ولى قضاء المالكية بمكة ، من قبل الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق . ولم يل القضاء بمكة قبله أحد مستقلا ، ورتب له على ذلك معلوم . وتوجه مع الحجاج المصريين إلى مكة ، فبلغها في آخر ذي القعدة من سنة سبع وثمانمائة . وفي أوائل ذي الحجة قرئ توقيعه بالولاية بالمسجد الحرام خلف مقام الحنفي بعد صلاة العصر بحضرة أمير الحاج المصري الأمير كزل العجمي وغيره من أعيان الحجاج وأهل مكة . وفي سنة اثنتي عشر وثمانمائة زار المدينة النبوية ، وحضر بها مجلس الإمام أبى عبد اللّه محمد بن أحمد الوانوغى في الأصول والفقه وغير ذلك . وأذن له الوانوغى في الإفتاء والتدريس ، وكتب له خطه بذلك بمنى في أيامها من سنة ثلاث عشرة . ومما كتبه الوانوغى في إجازته للمذكور - بعد أن ذكر طلبه للاجتماع بعلماء مكة - : كان ممن اجتمعت به وذاكرته ، وباحثته مرارا عديدة في مسائل كثيرة من مسائل الفقه وغوامضه ، وما يتعلق بها ، وتكررت أسئلته عن ذلك كله ومباحثه فيها ، مرة بعد أخرى السيد الفقيه ، الفاضل ، الأعدل ، الأكمل الجامع للصفات الفاضلة ، الحسيب الأصيل ، القاضي تقى الدين محمد بن الشيخ الحسيب الأصيل شهاب الدين أحمد بن علي الفاسي ، نفع اللّه بفوائده وعلومه الجليلة . وقد ورد علينا بالمدينة الشريفة ، وحضر معنا درس الفقه والأصول ، وأبدى فيه من فوائده ومباحثه الجليلة ما يليق بعلمه وفضله على طريقة أهل الفنون والمباحث ، فرأيته في ذلك كله أهلا للتدريس ، والفتوى ، والحكم ، وإفادة الطالبين ، مع ما جبل عليه من حسن الفهم ، وحسن الإيراد ، وسعة البال في البحث والمراجعة فيه . فأوجب ذلك كله الإذن له في التدريس ، والفتوى ، وإفادة الطلبة ، وحثه على الاشتغال بذلك كله ، والملازمة له ؛ لينتفع به الناس عموما ، وأهل بلده خصوصا ، فإني لم أر من فقهاء المالكية بالحجاز كله من يقاربه في جميع ما ذكرناه - نفع اللّه به - ولا في اتصافه في العلم ولا في الفهم عن الأئمة . انتهى . بنصه باختصار من أوله وآخره . وسبق صورة جميع ما كتبه الوانوغى في ترجمة الوانوغى .